صديق الحسيني القنوجي البخاري
477
فتح البيان في مقاصد القرآن
الخشية ، وفي لفظ بكثرة الرواية وعن حذيفة بحسب المؤمن من العلم أن يخشى اللّه . وعن عائشة قالت : صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم فخطب فحمد اللّه ، ثم قال : « ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو اللّه إني لأعلمهم باللّه وأشدهم له خشية » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب على معصيته غافر لمن تاب من عباده . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 29 إلى 30 ] إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 30 ) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ أي يستمرون على تلاوته ويداومونها ، والكتاب هو القرآن العظيم ولا وجه لما قيل : إن المراد به جنس كتب اللّه . وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها ، وأذكارها ، عن ابن عباس قال : نزلت في حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف . وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً فيه حث على الإنفاق كيفما تهيأ فإن تهيأ سرا فهو أفضل ، وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء ، فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بالسر الصدقة المطلقة . وبالعلانية الزكاة ، وإليه أشار في التقرير قاله الكرخي . وقيل : السر في المسنونة والعلانية في المفروضة . يَرْجُونَ تِجارَةً أي ثواب الطاعة لَنْ تَبُورَ أي لن تكسد ولن تهلك والأخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم واللام في قوله : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ متعلقة بلن تبور على معنى أنها لن تكسد لأجل أن نوفيهم أجور أعمالهم الصالحة ومثل هذه الآية قوله سبحانه : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 173 ] وقيل إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق أي فعلوا ذلك ليوفيهم ومعنى : وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أنه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم ، قيل بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم ، أو بتضعيف حسناتهم ، أو بتحقيق وعد لقائه إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة أي غفور لذنوبهم شكور لطاعاتهم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 5 ، ومسلم في الفضائل حديث 128 ، وأحمد في المسند 6 / 45 .